ابن قيم الجوزية

69

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

منها وايضاح هذه العبارة مما يزيدها جفاء وخفاء . والمقصود : انما هو ذكر الصبر بالله وأن العبد يحسب نصيبه من معية الله له يكون صبره وإذا كان الله معه أمكن أن يأتي من الصبر بما لا يأتي به غيره قال أبو علي : ( فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته قال تعالى : ( إن الله مع الصابرين ) ( البقرة : 153 ) . وهاهنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال عفو يحب أهل العفو كريم يحب أهل الكرم عليم يحب أهل العلم وتر يحب أهل الوتر قوي والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف صبور يحب الصابرين شكور يحب الشاكرين وإذا كان سبحان يحب التصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف فهذه المعية الخاصة عبر عنها بقوله : ( كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً ) . [ فصل ] وزاد بعضهم قسماً ثالثاً من أقسام الصبر وهو الصبر مع الله وجعلوه على أنواع الصبر قالوا : هو الوفاء ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع الله لما أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التي ذكرت وهي الصبر على أقضيته والصبر على أوامره والصبر عن نواهيه فإن زعم أن الصبر مع الله هو الثبات معه على أحكامه يدور معها حيث دارت فيكون دائماً مع الله لا مع نفسه فهو مع الله بالمحبة والموافقة فهذا المعنى حق ولكن مداره على الصبر على وإن زعم أن الصبر مع الله هو الجامع لأنواع الصبر فهذا حق ولكن جعله قسماً رابعاً من أقسام الصبر غير مستقيم .